الشنقيطي
355
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وتحقيق ذلك كالآتي : وهو ما داموا متفقين على شد الرحال للمسجد النبوي للسلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومتفقون على السلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدون شد الرحال . فلن يتأتى لإنسان أن يشد الرحال للسلام دون المسجد ، ولا يخطر ذلك على بال إنسان ، وكذلك شد الرحل للصلاة في المسجد النبوي دون أن يسلم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لن يخطر على بال إنسان . وعليه فلا انفكاك لأحدهما عن الآخر . لأن المسجد النبوي ما هو إلا بيته صلى اللّه عليه وسلم ، وهل بيته إلا جزء من المسجد كما في حديث الروضة « ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة » . فهذا قوة ربط بين بيته ومنبره في مسجده . ومن ناحية أخرى هل يسلم أحد عليه صلى اللّه عليه وسلم من قريب ، لينال فضل رد السلام عليه منه صلى اللّه عليه وسلم ، إلا إذا كان سلامه عن قرب ومن المسجد نفسه ؟ وهل تكون الزيارة سنية إلا إذا دخل المسجد وصلى أولا تحية المسجد ؟ وبهذا فلا انفكاك لشد الرحل إلى المسجد عن زيارة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولا لزيارته صلى اللّه عليه وسلم عن المسجد ، فلا موجب لهذا النزاع . وهنا وجهة نظر أخرى وهي ، أن قوله صلى اللّه عليه وسلم « ما من أحد يسلم علي إلا رد اللّه علي روحي فأرد عليه السلام » . فإن إطلاقه عن كل قيد من قرب أو بعد مما يدل على العموم من حيث المجيء للسلام عليه . فيقال : إن هذه فضيلة عظيمة ولا يتأتى للبعيد تحصيلها إلا بشد الرحال إليها كوسيلة لتحصيلها والوسيلة تأخذ حكم الغاية من وجوب أو ندب أو إباحة ، كالسعي إلى الجمعة واجب ، لأن أداء الجمعة واجب ، وإعداد الثياب الجميلة إليها مثلا مندوب ، لأن التجمل إليها مندوب ومثله إعداد الطيب بالنسبة لحضورها . وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية مناقشة هذه المسألة ، ولكنه جاء بأمثلة قابلة هي للنقاش فقال : ليس كل غاية مشروعة تكون وسيلتها مشروعة ، كحج المرأة وخروجها إلى المسجد ، فإن الأول مشروط فيه وجود المحرم . والثاني : مشروط فيه إذن الزوج . والنقاش لها أن سفر المرأة مطلقا ممنوع إلا مع المحرم ، سواء كان لهذا المسجد وللحج أو لغيره .